ابن عطية الأندلسي
212
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
علومه واطلاعه على أمر اللّه ، فهو يتوب من المنزلة الأولى إلى الأخرى ، والتوبة هنا لغوية . وقوله تعالى : رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ الآية ، هذا هو الذي أراد النبي صلى اللّه عليه وسلم بقوله « أنا دعوة أبي إبراهيم ، وبشرى عيسى » ، ومعنى مِنْهُمْ أن يعرفوه ويتحققوا فضله ويشفق عليهم ويحرص ، و يَتْلُوا في موضع نصب نعت لرسول أي تاليا عليهم ، ويصح أن يكون في موضع الحال ، والآيات آيات القرآن ، و الْكِتابَ القرآن ، ونسب التعليم إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم من حيث هو يعطي الأمور التي ينظر فيها ويعلم طرق النظر بما يلقيه اللّه إليه ويوحيه ، وقال قتادة : الْحِكْمَةَ السنة وبيان النبي صلى اللّه عليه وسلم الشرائع ، وروى ابن وهب عن مالك : أن الحكمة الفقه في الدين والفهم الذي هو سجية ونور من اللّه تعالى ، و يُزَكِّيهِمْ معناه يطهرهم وينميهم بالخير ، ومعنى الزكاة لا يخرج عن التطهير أو التنمية ، و الْعَزِيزُ الذي يغلب ويتم مراده ولا يرد ، و الْحَكِيمُ المصيب مواقع الفعل المحكم لها . قوله عزّ وجل : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 130 إلى 132 ] وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ( 130 ) إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ ( 131 ) وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ( 132 ) مَنْ استفهام في موضع رفع بالابتداء ، و يَرْغَبُ خبره ، والمعنى يزهد فيها ويربأ بنفسه عنها ، والملة الشريعة والطريقة ، و سَفِهَ من السفه الذي معناه الرقة والخفة ، واختلف في نصب نَفْسَهُ ، فقال الزجاج : سَفِهَ بمعنى جهل وعداه بالمعنى ، وقال غيره : سَفِهَ بمعنى أهلك ، وحكى ثعلب والمبرد أن سفه بكسر الفاء يتعدى كسفه بفتح الفاء وشدها ، وحكي عن أبي الخطاب أنها لغة ، وقال الفراء نصبها على التمييز . قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي اللّه عنه : لأن السفه يتعلق بالنفس والرأي والخلق ، فكأنه ميزها بين هذه ورأوا أن هذا التعريف ليس بمحض لأن الضمير فيه الإبهام الذي في مَنْ ، فكأن الكلام : إلا من سفه نفسا ، وقال البصريون : لا يجوز التمييز مع هذا التعريف ، وإنما النصب على تقدير حذف « في » ، فلما انحذف حرف الجر قوي الفعل ، وهذا يجري على مذهب سيبويه فيما حكاه من قولهم ضرب فلان الظهر والبطن أي في الظهر والبطن ، وحكى مكي أن التقدير إِلَّا مَنْ سَفِهَ قوله نَفْسَهُ على أن نفسه تأكيد حذف المؤكد وأقيم التوكيد مقامه قياسا على النعت والمنعوت . قال القاضي أبو محمد : وهذا قول متحامل ، و « اصطفى » « افتعل » من الصفوة معناه تخير الأصفى ، وأبدلت التاء طاء لتناسبها مع الصاد في الإطباق ، ومعنى هذا الاصطفاء أنه نبأه واتخذه خليلا ، و فِي الْآخِرَةِ متعلق باسم فاعل مقدر من الصلاح ، ولا يصلح تعلقه ب الصَّالِحِينَ لأن الصلة لا تتقدم الموصول ، هذا على أن تكون الألف واللام بمعنى الذي ، وقال بعضهم : الألف واللام هنا للتعريف